الرميصاء...
يأتي الفقد أحيانا في شكل رحيل مؤقت...وأحيانا يأتينا كغياب قصير...كما يمكن أن يكون رحيلا لا رجوع بعده، أو بصيغة أخرى، الموت...
كنا بالأمس متحلقين حولها لاستيعاب مالم نفهمه في الرياضيات، فتاة هادئة هي، وذات شخصية قيادية جعلتنا نختارها لرئاسة قسمنا، كانت لطيفة مع الكل، اجتماعية تحب الخير للكل كما تحبه لنفسها، صريحة معنا في كل شيء، كنا كالأخوات داخل قسم واحد، كنا عائلة تجمع بين 21 شخصية وموهبة.
كانت جزءا منا، وكنا جزءا منها، إلا أن القدر فرقنا كسنته في العلاقات، في حادث أليم وهي في طريقها إلى القرارة-ولاية غرداية-، بنيّة حضور جنازة أحد الأقارب، وكانت آخر كلمة قالتها لنا في مجموعة الدردشة الخاصة بالقسم "مع السلامة...أنا في طريقي نحو القرارة" ولم تكن تعلم أنه طريق إلى الرحيل الأبدي والانتقال للعالم الآخر، العالم الذي يفرض علينا الفراق دون رجعة.
يوم الأحد 04 جويلية لعام 2021 على الساعة التاسعة صباحا، وفاة شخصين وإصابة آخر في حادث سير بجنوب الجلفة، الحادث وقع بطريق مسعد-قطارة-.
الحادث أسفر للأسف عن وفاة ضحيتين في عين المكان (أنثى من 17 سنة، وذكر من67 سنة)، تم تحويلهم إلى مصلحة حفظ الجثث بمستشفى مسعد
المصابة تبلغ من العمر 64 عاما، تعاني إصابات متفاوتة الخطورة، تم نقلها من طرف سيارة الإسعاف التابعة لعيادة متعددة الخدمات بقطارة.
هكذا قرأنا الخبر، منا من قرأته بسرعة، ومنا من قرأته بهدوء شديد وتركيز، وربما قرأته أخرى وهي تعيده مرارا وتكرارا دون أن تستطيع استيعاب ما كتب بين السطور، لا يهم كيف استقبلنا الخبر، أكثر ما يهم تلك الدمعة التي حبسناها مكذبين أنفسنا بأننا لا نصدق الخبر، ربما كانت صدفة فقط أن تحمل الضحية نفس الاسم، ربما قد أخطئوا، ربما ستبعث رسالة أنها ليست من توفيت، وأنها لاتزال تحس بنبضات قلبها، ستبعث رسالة بعد قليل، لابأس قد لا تتوفر معها الشبكة، حسنا ستبعث غدا، ربما و ربما و ربما، ولكن الله أرادها بجانبه، أراد أن يأخذ أمانته، كم هي صعبة تلك اللحظة، أن تحبس دمعتك وتدفنها بداخلك بدافع القوة، أن تشد نفسك وتضغط عليها كي لا تظهر ضعفك أمام الآخرين، لكننا مع ذلك انفجرنا كحمم بركانية، وبكينا وبحثنا عن كل فتاة تحمل نسبا في الدفتر العائلي للقسم لنعزيها ولنحظى بذلك الحضن الجماعي ونخفف من وطأة المصاب على أرواحنا قبل قلوبنا، الرميصاء البشوشة المجتهدة، الزميلة الصديقة لن ننساك أبدا بدعواتنا، شيء أكبر من أن يكون مجرد صداقة تجمعنا، فما يربطنا كان بالدم كان بالنسب فنحن أخوات على دفتر الصداقة و الزمالة الذي جمعنا القدر فيه في حياة مصغرة أسميناها المدرسة.
فكما يكون الصديق في أوقات الفرح واليسر يكون كذلك في أوقات الضعف والضيق، فإننا سنرد لك كل خير قمت به بعلم أو دون علم عن طريق دعواتنا وصداقاتنا ونوايانا وأعمالنا، لن نكون أنانيين لدرجة أن نتركك في أشد الأوقات التي أنت بحاجة إلينا فيه، أعاهد نفسي أولا قبل أي شخص آخر أنني لن أنس خيرك أبدا، وستظلين معنا بمكانتك وبمقامك وبأعمالك ستظلين خالدة دائما.
اللهم أنزل على قبرها الضياء والفسحة والسرور، اللهم اقبلها في عبادك الصالحين واجعلها من ورثة جنة النعيم.
اللهم اغفر لها عدد ما بين السماء والأرض، اللهم اعف عنها عدد حيتان البحار والأنهار، اللهم إنك القائل في كتابك:" أدعوني أستجب لكم "، ها قد دعوناك فاللهم يا رحمان استجب لنا...
وصل اللهم وسلم على عبدك خير الأنام المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله و صحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين...
لا يوجد تعليقات