المعنى من الحياة
الانسان كائن مركب من جزأين ، جزء رباني متمثل في الروح ، وجزء يتمثل في الجسد ، يتطلع الاول إلى العلو والسمو ، ويحاول الثاني أن يشبع رغباته ومتطلباته المادية من هذه الثنائية التركيبية يتولد الصراع ، ومن الهشاشة التكوينية يتولد الخلل. إن السر الوحيد لتحقيق السعادة والسلام الداخلي ، والتخلص من الاكتئاب الوجودي هو تحقيق عملية التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي ، وذلك من خلال معرفة و إدراك معنى الحياة والغرض من الوجود في هذه الحياة ، والنضوج على جميع المستويات الجسدية والعقلية والعاطفية والروحية وتحقيق التوازن بين كل تلك المستويات ولكن كيف نتمكن من معرفة وإدراك الفرق بين معنى الحياة والغرض منها ؟
إليك كيفية التمييز بين الاثنين :
- معنى الحياة مصدر العقل إنه فلسفة أو فكرة أو معتقد ننسبه إلى حياتنا، إنه الاحساس بالهدف، وشيء نقوم بإنشائه نحن، فالمعنى يأتي من العقل ويعتمد على ذوقك، رغباتك، وأحلامك الشخصية ...، المعنى شخصي ومتنوع للغاية ويختلف من شخص لآخر
- أما الغرض من الحياة مصدره من الروح وهو فطري ومبرمج في كل شيء على المستوى الأساسي ، فهو يعتمد على تنمية الروح والسمو بها من خلال التدين وممارسة الروحانية و الشعائر الدينية فإنه شيء ندركه أو نتناغم معه ، لأنه موجود بالفعل فكل مولود يولد على الفطرة فهو بالفعل جوهري وفطري .
يرى البعض أن الهدف من الحياة يعطيه الاله وأنه يمثل معنى الحياة بالنسبة لهم ، وقد يكون غير الهي ، كما هو الحال في بعض المذاهب البوذية ، لكن ما يميز التأمل البوذي من التأمل الذهني الذي يسعى إلى إزالة الاجهاد والتوتر فهو أن الأول يهدف إلى إنهاء المعاناة من خلال الاستكشاف الميتافيزيقي ، فمن المفترض أن تنبثق السكينة والسلوان في البوذية من ادراك طبيعة الامور - على وجه الخصوص ادراك عدم أهمية الذات – وهي خلاصة مؤثرة عاطفيا ، ولكن أن تتصالح مع طبيعة الحياة من خلال العلاج النفسي ، لا يعني اكتشاف معنى الحياة ، لأنه لا يقصد أي اكتشاف أي حقيقة من هذا النوع ، وهناك من وجد هذا المعنى في الحب ، وهناك من ارتبط لديه هذا المعنى بالمال أو الوظيفة ، وهناك من وجده في كرة القدم ... ، في الغالب يوجد لدى كل شخص مفهوم خاص عن هدفه في الحياة ، وهذا هو الذي يعطي معنى لحياته ، وكيفما كان الحال فاختيار معنى الحياة أمر لا يجب أن تلوم حوله الآخرين باعتبار أن المعنى قد يكون ذلك الشيء الذي نرغب فيه باستمرار ونطمح اليه بكل ارادة ولعله شيء نحتاجه في حياتنا ، ينبغي أن نبحث عن طريقة من شأنها أن تسعفنا في فهم ممكن لذواتنا ، والتي من خلالها يمكن أن نضع معنى للحياة ، فكثير من البشر يكرسون مجهوداتهم وطاقتهم في سبيل ايجاد هذا المعنى ، وانطلاقا من ذلك ، هناك من وجد هذا المعنى في الدين ، حيث كتب ألبرت أينشتاين مرة أنه لمعرفة الإجابة عن "ما معنى الحياة البشرية ؟" عليك أن تكون متدينا ، ولكن من حيث المبدأ هناك مساحة لسرديات غير دينية حول معنى الحياة ، سرديات لا تستدعي أي شيء من خارج العالم كما كشفه لنا العلم . الدين ليس لديه احتكار للمعنى ، حتى لو كان من الصعب أن نرى كيف يمكن لحقيقة غير مطلقة أن تناسب تعريفنا ، أي إن معرفة معنى الحياة هي فهم كل ما هو غير سليم في العالم ، في الوقت نفسه من الصعب إثبات أي طرح نافٍ (أي إثبات عدم وجود شيء مثلا ) لإثبات أن لا شيء سوى الدين يمكنه أن يلعب هذا الدور . كما ان هناك من وجد معنى الحياة في الموسيقى أو السفر ، أو في الكتابة ، وهناك من اختار الدفاع عن العدالة الاجتماعية ، ولكل طريقته في البحث عن هذا المعنى ، وفي سياق هذا البحث عن معنى الحياة تدخل الوجودية كمدرسة فلسفية معاصرة اختارت معالجة سؤال الإنسان بكل تفاصيله الوجودية ، فكان هذا المعنى واحد من اهتمامات الوجودية ، حيث يعتبر مجموعة من المفكرين الوجوديين أن من شأن المعاني التي ذكرنا سابقا أن تعطي معنى الحياة كما من شأنها أن لا تفعل
كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل ذات مرة عن معنى الحياة "معنى الحياة يختلف من انسان لآخر ومن يوم لآخر ومن ساعة لأخرى " ما يهم إذن ليس معنى الحياة بشكل عام ولكن بالأحرى المعنى المحدد لحياة الشخص في لحظة معينة كما اشار فرانكل بأن المعنى ليس شيئا واحدا محددا ولكنه مختلف قابل للتغيير . من خلال تجارب الحياة المختلفة فإن هناك 3 انواع من المعنى في الحياة وهي (المعنى في الانجازات وتحقيق الأهداف والأحلام / المعنى في المبادئ والقيم مثل الصداقة والمحبة والمجتمع .. / المعنى من المعاناة ) . وربما تكون قد وصلت إلى هذه المقالة وتريد إجابة قاطعة على السؤال " ما معنى الحياة؟ " ولكن الشيء المهم هو أن معناك هو من يصنعك، معناك ينبع من أعماق قلبك وروحك، معناك يحتاج اكتشاف نفسك ومعرفة نقاط القوة والضعف لديك، واكتشاف مواهبك ومهاراتك. بمرور الأيام والسنين ستكتشف معنى وجودك، ستكتشف بعد حين حقيقة الحياة وحقيقة نفسك وحقيقة كل ما يدور حولك، ستكتشف كينونتك وتفاصيل يومك، عندها فقط ستدرك بأن الحياة ماهي إلا مرحلة ابتلاء واختبار، ستدرك بأنها رحلة روحية ومغامرة رائعة لروحك التي اختارت أن تخوض تجربتها. ستدرك أنك فقدت بوصلتك وتوقفت بمحطات كثيرة لم يكن لها أي داعي ، هذه المحطات ماهي الا وهم صنعها خيالك وعقلك الباطن ضخمها لك ، لذا كن واعيا بتفاصيل يومك وبكل ما يدور حولك ، لا تنشغل بأشياء لست بحاجة اليها ، ولا تدخل نفسك في متاهات قد ترهق قلبك . استمع لصوت ضميرك المنبعث من أعماق روحك والذي يدعوك لنشر الحب والسلام ، يدعوك للعيش بسيطا متواضعا ، رحيما ومتسامحا !
لا يوجد تعليقات